الشنقيطي

254

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

داعي لهذا مع وضوح ظاهر الآية . تنبيه مثّل بعض علماء البلاغة بهذه الآية لنوع من أنواع البدل ؛ وهو بدل الكلّ من البعض ، قالوا : جَنَّاتِ عَدْنٍ بدل من الجنّة في قوله : فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بدل كلّ من بعض . قالوا : ومن أمثلة بدل الكلّ من البعض قوله : رحم اللّه أعظما دفنوها * بسجستان طلحة الطّلحات « فطلحة » بدل من قوله « أعظما » بدلّ كل من بعض . وعليه فأقسام البدل ستّة : بدل الشّيء من الشّيء . وبدل البعض من الكلّ . وبدل الكلّ من البعض . وبدل الاشتمال . وبدل البداء . وبدل الغلط . قال مقيّده عفا اللّه عنه : ولا يتعيّن عندي في الآية والبيت كون البدل بدل كلّ من بعض ، بل يجوز أن يكون بدل الشّيء من الشّيء ، لأنّ الألف والّلام في قوله : فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ [ مريم : 60 ] للجنس ، وإذا كان للجنس جاز أن يراد بها جميع الجنّات ، فيكون قوله : جَنَّاتِ عَدْنٍ بدلا من الْجَنَّةَ بدل الشّيء من الشّيء ، لأنّ المراد بالأوّل الجمع كما تقدّم كثير من أمثلة ذلك . والأعظم في البيت كناية عن الشخص ، « فطلحة » بدل منه بدل الشّيء من الشّيء ، لأنّهم لم يدفنوا الأعظم وحدها بل دفنوا الشّخص المذكور جميعه ، أعظمه وغيرها من بدنه ، وعبّر هو عنه بالأعظم . قوله تعالى : لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً إِلَّا سَلاماً وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا ( 62 ) [ 62 ] . ذكر جلّ وعلا في هذه الآية الكريمة : أنّ المؤمنين إذا أدخلهم ربّهم جنّات عدن الّتي وعدهم لا يَسْمَعُونَ فِيها أي في الجنّات المذكورة لَغْواً أي كلاما تافها ساقطا كما يسمع في الدّنيا . واللّغو : هو فضول الكلام ، وما لا طائل تحته . ويدخل فيه فحش الكلام وباطله ، ومنه قول رؤبة وقيل العجّاج : وربّ أسراب حجيج كظم * عن اللّغا ورفث التّكلّم كما تقدّم في سورة « المائدة » . والظّاهر أنّ قوله إِلَّا سَلاماً استثناء منقطع ، أي لكن يسمعون فيها سلاما ، لأنّهم يسلّم بعضهم على بعض ، وتسلّم عليهم الملائكة ، كما يدلّ على ذلك قوله تعالى : تَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ ( 23 ) [ إبراهيم : 23 ] الآية ، وقوله : وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ ( 23 ) سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ [ الرعد : 23 - 24 ] الآية . كما تقدّم مستوفى .